ابن كثير
76
البداية والنهاية
وكان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ست وعشرين ، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء ( 1 ) الملازمين للمسجد التالين للقرآن ، وكان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر . وكانت أسنانه مشبكة بالذهب ، وكان أفوه مفتوح الفم ، فربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب ، ولهذا كان يقال له أبو الذباب . وكان أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن ، مقرون الحاجبين أشهل كبير العينين دقيق ( 2 ) الانف مشرق الوجه أبيض الرأس واللحية حسن الوجه لم يخضب ، ويقال إنه خضب بعد . وقد قال نافع : لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان ، وقال الأعمش عن أبي الزناد : كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب ، وعروة ، وقبيصة بن ذويب ، وعبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الامارة . وعن ابن عمر أنه قال : ولد الناس أبناء وولد مروان أبا - يعني عبد الملك - ورآه يوما وقد ذكر اختلاف الناس ، فقال : لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه ، وقال عبد الملك : كنت أجالس بريدة بن الحصيب فقال لي يوما : يا عبد الملك إن فيك خصالا ، وإنك لجدير أن تلي أمر هذه الأمة ، فاحذر الدماء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق " . وقد أثني عليه قبل الولاية معاوية وعمرو بن العاص في قصة طويلة . وقال سعيد بن داود الزبيري : عن مالك ، عن يحيى بن سعيد بن داود الزبيري قال : كان أول من صلى ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه ، فقال سعيد بن المسيب : ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم ، إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله . وقال الشعبي : ما جالست أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان فأني ما ذاكرته حديثا إلا زادني منه ، ولا شعرا إلا زادني فيه . وذكر خليفة بن خياط أن معاوية كتب إلى مروان وهو نائبه عن المدينة سنة خمسين أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن خديج ، فذكر من كفايته وغنائه ومجاهدته في تلك البلاد شيئا كثيرا . ولم يزل عبد الملك مقيما بالمدينة حتى كانت وقعة الحرة ، واستولى ابن الزبير على بلاد الحجاز ، وأجلى بني أمية من هنالك ، فقدم مع أبيه الشام ، ثم لما صارت الامارة مع أبيه وبايعه أهل الشام كما تقدم أقام في الامارة تسعة أشهر ثم عهد إليه بالامارة من بعده ، فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس وستين ، واجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة . وقال ثعلب عن ابن الأعرابي : لما سلم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه
--> ( 1 ) انظر في مقام عبد الملك في الفقه طبقات الفقهاء للشيرازي ص 62 . ( 2 ) في فوات الوفيات 2 / 403 : مشرف .